لسانيات: الرابط اللغوي بين أديس أبابا وتل أبيب وإب

توجد الكثير من المفردات المشتركة بين اللغات السامية كالعربية والعبرية والأمهرية، ولذلك نجد تقاطعات لسانية عديدة بينها. من هذه التقاطعات تسمية ثلاث مدن مهمة في منطقتنا: عاصمة اثيوبيا والعاصمة غير الرسمية للكيان الصهيوني والمدينة اليمنية الأكثر اخضراراً.

تندرج هذه المقالة تحت باب التأثيل، أو علم أصول الكلمات، والبحث في أصول الكلمات وتشابهاتها في اللغات المختلفة يكشف لنا طبقات من التاريخ والتفاعل والنقل ويعطينا تصورات مختلفة عن تاريخ البشر.

 

أديس أبابا

أما أديس أبابا فهي عاصمة اثيوبيا منذ أواخر القرن التاسع عشر في عهد النجاشي منليك الثاني الذي اشتهر بانتصاره على الغزو الإيطالي في معركة عدوة (1896).

كلمة أديس أبابا تعني بالأمهرية (الوردة الجديدة) حيث أن كلمة أديس تعني الجديد، وكلمة أبابا تعني الوردة، كما قد تعني أيضاً الإزهار، فهل لكلمة أبابا علاقة بكلمة أبيب؟

 

تل أبيب

قامت الأجيال المبكرة من الصهاينة – قبل إعلان قيام دولة الاحتلال – بتسمية منطقتهم السكنية عند يافا بتل أبيب، أي تل الربيع، وهو اسم مأخوذ من نص توراتي بسفر حزقيال "فَجِئْتُ إِلَى الْمَسْبِيِّينَ عِنْدَ تَلِّ أَبِيبَ، السَّاكِنِينَ عُنْدَ نَهْرِ خَابُورَ. وَحَيْثُ سَكَنُوا هُنَاكَ سَكَنْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُتَحَيِّرًا فِي وَسْطِهِمْ" وهي مدينة غير محددة تقع في العراق، وكان ناحوم سوكولوف رئيس المنظمة الصهيونية العالمية (ت 1936) أول من استخدم هذا اللفظ القديم في السياق الصهيوني الحديث حين ترجم رواية ألتويلاند لثيودور هرتزل (ت 1904) إلى تل أبيب، مستلهماً النص التوراتي ليعبر عن شيء قديم (تل) وجديد/متجدد (الربيع)، وهو هنا أعرض عن الترجمة الحرفية الحقيقية للفظ (ألتويلاند) والذي يعني (الأرض الجديدة القديمة) لكنه نجح في نقل المعنى. الرواية مترجمة للعربية باسم (أرض الميعاد).

حين تم الإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني كانت تل أبيب عاصمة مؤقتة ثم تم نقل العاصمة للقدس وقام الصهيانة بنقل المؤسسات الرسمية الكبرى لدولتهم إلى القدس، لكن المعتاد أن يقال بأن تل أبيب هي العاصمة لأن العديد من دول العالم لم توافق على نقل سفاراتها إلى القدس.

وبالمناسبة قال بعض العرب بأن تل أبيب مدينة فلسطينية عربية اسمها الأصلي تل الربيع والصهاينة حرفوها إلى تل أبيب وهذا وهم، وقد نبه إليه الكثير من المختصين ونبهت إليه موسوعة القرى الفلسطينية.

كلمة أبيب أو أفيف العبرية (אָבִיב) تعني الربيع والمحاصيل الجديدة، ونرى هنا تقارب المعنى والمبنى بينها وبين أبابا الأمهرية فهل لهما علاقة بإب اليمنية؟

 

 

إب

تعتبر إب من أخضر بلاد العرب، ورغم أنها تكتب في بعض المصادر أَبُّ، إلا أن نطقها بكسر الألف هو المشهور من قديم، قال يقول الحموي في معجم البلدان عن نطقها بالكسر: "وكذا يقوله أهل اليمن بالكسر ولا يعرفون الفتح"، وقال في معنى اسمها: "والأَبّ: الزرع"، وكذلك مصادر أخرى أشارت أن معنى إب العشب والكلأ، أي أنها قد تكون مرتبطة لغوياً بنفس معاني الاخضرار والإزهار في أبابا وأبيب، فالمعاجم العربية تفيدنا بأن الأب هو الكلأ والمرعى والعشب رطبه ويابسه، ويقال "فلان راع له الحب وطاع له الأب"، أي زكا زرعه واتسع مرعاه.

كلمة إب بهذا المعنى وبنطق مشابه مذكورة في العهد القديم أيضاً في نشيد الأناشيد (نزلت الى جنة الجوز لأنظر الى خضر الوادي ولأنظر هل أقعل الكرم هل نور الرمان) وربما في أماكن أخرى أيضاً.

 

الربط القرآني

جاء في كتاب الله تعالى قوله في سورة عبس (وَفاكِهَةً وَأَبًّا)، وقد وردت نصوص عن بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم بخصوص معنى الأب هنا.

فجاء أن رجلاً سأل ابن عباس رضي الله عنهما: أخبرني عن قول الله عز وجل: وفاكهة وأبا؟ قال: الأب الفصفصة وما يعتلف منه الدواب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول:

ترى به الأبّ واليقطين مختلعا … على الشريعة يجري تحتها الغرب

وفي رواية عنه أن أخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن "الأب ما أنبتت الأرض مما تأكل الدواب والأنعام ولا يأكله الناس"، وقد روي عن علماء من السلف أن الفرق بين الفاكهة والأب هي أن الفاكهة ما يأكل الناس والأب ما تأكل الدواب، واستشهدوا بأن الآية التالية تقول (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ).

وفي الرواية المشهورة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد سؤل عن معنى الأب في الآية فقال: "أيُّ سَماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتابِ اللهِ ما لا أعلَمُ" كراهة أن يتكلم في القرآن بمجرد الرأي ويفسر بغير علم.