ما فهموا الغزالي ولا فهموا ابن رشد: عن القول بأن المسلمين رفضوا التفكير الفلسفي والمنطقي
هناك اتهام شائع يقول بأن التراث الإسلامي محارب للفلسفة والمنطق وتمظهر في تكرار أصحاب هذا الاتهام لكليشيهات جاهزة معلبة مع عدم الإلمام الحقيقي بالمسائل التي يطرحونها. المثال الكلاسيكي لهؤلاء هو ثنائية الغزالي وابن رشد المزعومة، فقد حولوهما لطرفي نقيض أحدهما يمثل الظلامية والآخر يمثل التنوير، متهمين أبا حامد الغزالي بمعاداة الفلسفة والمنطق في كتبه خاصة (تهافت الفلاسفة)، ومنتصرين لإبن رشد الذي حولوه إلى رمز للعقل والإبداع في كتبه بما فيها رده على الغزالي (تهافت التهافت)، قائلين بأن ما تعرض له ابن رشد من عقوبة وإحراق لكتبه دليل على محاربة المسلمين للفلسفة.
هذه النظرة فيها تبسيط مخل وشطط فج، ويبدو لي أن مرددي هذه الكليشيهات ما فهموا المسألة التي يطرحونها وتميزوا بجهلهم بالغزالي وابن رشد معاً، وهذا ما سأسعى لتوضيح بعض جوانبه.
مقدمة: ما المشكلة لو انتقدنا الفلسفة اليونانية؟
انتقاد الغزالي لم يكن منصباً على الفلسفة من حيث هي، وإنما تناول الجانب العقدي منها وتصوراتها عن الله عز وجل، فكان انتقاده مشروعاً وذا وجاهة. في المقابل لم يكن مشروع ابن رشد الفلسفي إبداعاً كما تصورو كذلك، بل انطوى أغلبه على التقليد، ولا يبدو لي أن هؤلاء النقاد فهموا القضايا التي يطرحونها فهماً وافياً - والحكم على الشيء فرع من تصوره - كما لا يبدو أن لديهم استعداداً لقبول ما أسماه الفيلسوف المعاصر د.طه عبد الرحمن بـ(الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري)، فما المشكلة في أن يكون للإسلام انتقادات على أي مجال معرفي مباين؟
وهنا بيت القصيد، إن استفظاعهم لوجود نقد إسلامي على بعض جوانب الفلسفة (أو العلم أو الفن... إلخ) نابع من اعتبارهم ضمنياً أن الإسلام أدنى مرتبةً من أن ينقد هذه المجالات، فهي التي لها الهيمنة والسيادة وهي المرجع وهي الأعلى كعباً ولا يجوز للديانة أن تتطاول فتوجه إليها نقداً أو سؤالاً، أي أن هذه المجالات صارت لديهم منظومات معرفية عليا لا يمكن محاكمتها على معايير المنظومات الدنيا. المشكلة الأساسية لدى بعضم هي في أنهم يريدون الدين كعنصر هامشي تابع لا متبوع أو لا يريدونه أصلاً.
بإمكاننا أن ننتقد الفلاسفة، ولا يجب أن نهاب انتقادهم وانتقاد الأسماء الكبيرة منهم. نعم لأفلاطون مثلاً عقل جبار وإسهامات مهمة، لكنه ليس خالياً من الهنات والأخطاء، ولذلك انتقده فلاسفة كبار، فلا يوجد سبب يجعلنا نعامل هذه الأسماء وكأنها فوق النقد. في زماننا هذا، عاد البعض للافتتان بالفلسفة اليونانية القديمة وتعظيمها والتشنيع على من انتقدها وكأنه انتقد شيئاً مقدساً معصوماً، وهو أمر عجيب لا مسوغ موضوعي له. الفلسفة اليونانية وسائر أنواع الفلسفة هي اجتهادات بشرية، لها إيجابيات وسلبيات، والأصل أننا إذا قرأناها نقاربها ونشتبك معها دون عقدة نقص.
أولاً لابد من إدراك الفرق بين الفلسفة والمنطق وباقي أقسام الفلسفة القديمة، حيث أن الفلسفة اليونانية كانت مجموعة من العلوم، وقد قسمها الغزالي لستة أقسام: "رياضية، ومنطقية، وطبيعية، وإلهية، وسياسية، وخلقية"، وهذا من إنصافه وإلمامه، ثم أنكر عليهم في الإلهيات بشكل رئيسي، فلم ينشغل برفض الفلسفة ككل وإنما برفض الشق العقدي منها. لا غرابة في أنه انتقد الفلاسفة في الإلهيات بل سيكون الغريب والمستنكر ألا ينتقد المسلم عقيدة أخرى تناقض الوحيين!
يظهر جلياً من قراءة الغزالي أن نقده موضعي وليس نقداً أهوج رافضاً لكل الفلسفة، فقد كتب كتابه "رداً على الفلاسفة القدماء مبيناً تهافت عقيدتهم وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات"، فعمد لنقض أسس ميتافيزيقة يونانية ولم يهاجم عموم الفلسفة. دعنا نلاحظ حرص الغزالي على التفصيل، فهو يقول في (المنقذ من الضلال) عن أقسام الفلسفة الستة: "أما الرياضية: فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفياً وإثباتاً، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها". وقال في (التهافت) بأن علم الرياضيات "لا تعلق للإلهيات به" وعن علوم الهندسية بأنها "لا يقدح ذلك في شيء من النظر الإلهي"، كما أقر الفلاسفة كذلك على الطب والطبيعيات إلا ما خالف صريح الدين، "وكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطب، فليس من شرطه أيضاً إنكار ذلك العلم، إلا في مسائل معينة" وهو المنهج الإسلامي، فالمسلمون يقبلون اليوم مثلاً بالطب الحديث والعلوم الطبيعية الحديثة إلا ما خالف الدين صراحة، وراجع مقالي المعنون بـ(هل أصبحنا نعبد العلم؟) لمزيد من التفصيل.
بل وأنكر الغزالي في غير موضع على المسلمين الذين هاجموا هذا الجانب من الفلسفة، وقرر أن هذه الهجمات "نشأت من صديق للإسلام جاهل، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم. فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها، حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فازداد للفلسفة حباً وللإسلام بغضاً، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية". أيضاً قال في (التهافت) عن آراء الفلاسفة في أمور علمية طبيعية "لا يصدم مذهبهم فيها أصلاً من أصول الدين"، ثم أنكر على من أنكر عليهم فيها لأن "من ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين، فقد جنى على الدين وضعف أمره، فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابية، لا يبقى معها ريبة"، ولعلي أكتب مقالة مفصلة عن علاقة العلوم الإسلامية بالعلوم الطبيعية ففيها مباحث غاية في الأهمية.
الحاصل أن الغزالي كان مدركاً لتفاصيل ما يتحدث عنه ولم يعمم نقده على كل الفلسفة، بل وجه انتقاده للفلاسفة في الإلهيات متهماً إياهم بعدم الالتزام بمعاييرهم المنطقية، ففي قسم الإلهيات توجد "أكثر أغاليطهم، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه"، وكان انتقاده ليس فقط لأن الإلهيات الفلسفية فيها ما يصادم القرآن والسنة، ولكن أيضاً لأنها تصادم نفسها بنفسها وتتهافت وتتضعضع، وهي الممتلئة بالتخرصات في أمور لا يتوصل إليها عبر التخمين، "فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني وفي الإلهيات تخميني"، وبعد أن تعمق الغزالي في الفلسفة لم يسعه إلا أن يتوصل للحقيقة "وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطاً يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل"، وهو لب الانتقاد المنطقي لتلك الفلسفات الإلهية، ومن هنا جاء وصف التهافت دقيقاً وفي محله.
أما الأنواع الخمسة الأخرى للفلسفة فلم يعارض الرياضية والطبيعية منها، ولم ينتقد الفلسفة السياسية التي قدم فيها أستاذه الإمام الجويني واحداً من أهم أعمال الفلسفة السياسية الإسلامية عبر كتابه (غياث الأمم في التياث الظلم)، أما في الفلسفة الأخلاقية فقد قدم لنا الغزالي موسوعته المذهلة (إحياء علوم الدين)، كما تضمنت كتب أخرى له شذرات من فلسفته الأخلاقية. وهنا يبقى لنا نوع أخير من الفلسفة لصيق بها وبمباحثها ألا وهو المنطق، فنكتشف أن الغزالي كان من كبار المناطقة المسلمين، ومن أول من أدخلوا علم المنطق في بنية العلوم الشرعية.
الإسلام منذ مطلع شمس علومه وهو يتجه للتفكير المنطقي حتى قبل أن يتعرف المسلمون على الفلسفة اليونانية، ثم حين تعرفوا عليها استفادوا منها في تطوير علومهم، واقترضوا من مصطلحاتها وأساليبها فيما يكمل بنيانهم الأصلي. للمسلمين منطق لغوي ومنطق شرعي، وأدخلوا المنطق اليوناني في بناءهم المعرفي الضخم، من أصول الفقه إلى علم الكلام، ومن النحو إلى الصرف إلى غير ذلك. قال الغزالي موضحاً "وأما المنطقيات: فلا يتعلق شيء منها بالدين نفياً وإثباتاً، بل هي النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وشروط مقدمات البرهان، وكيفية تركيبها، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه ... وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر، بل هو من جنس ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في الأدلة، وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات بزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات". وقال في (التهافت) أن قول اليونان بضرورة إحكام المرء للمنطقيات قول صحيح "ولكن المنطق ليس مخصوصاً بهم، وإنما هو الأصل الذي نسميه في فن الكلام كتاب النظر، فغيروا عبارته الى المنطق تهويلاً، وقد نسميه (كتاب الجدل) وقد نسميه (مدارك العقول) فإذا سمع المتكايس اسم المنطق ظن أنه فن غريب لا يعرفه المتكلمون، ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة".
فالمنطق كان فرعاً من فروع الفلسفة اليونانية، وهو الفرع الذي انشغل أرسطو به في عمله المحوري المسمى بـ(الأوريغانون)، أي الآلة. هذا الفرع اهتم بضبط طرائق التفكير ليسلم الذهن من الوقوع في الخطأ، فالمنطق – كما قال الغزالي "آلَة قانونية تعصمه مراعاتها من أَن يضل في فكره فإذا حكم القوانين وطرق التفكر فعند ذلك يعثر على جهة المطلوب فتتجلى حقيقة المطلوب لقلبه"، وصار هذا العلم من علوم المسلمين، برعوا فيه وبزوا فيه غيرهم بعنايتهم به وتوظيفهم له في سائر علومهم، بل صار متأكداً على طالب العلم أن يتقن ما اصطلحوا على تسميته بعلوم الآلة، وهي علوم اللغة والمنطق. لأجل هذا صار كتاب مثل الإيساغوجي (أي: المقدمة) لأثير الدين الأبهري، أو السلم المنورق لعبد الرحمن الأخضري، أحد المتون الأساسية الذي يبدأ بها طالب العلم دراسة المنطق في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا وقد اعتنى به جملة من علماء المسلمين وشرحه غير واحد منهم كشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ولا يزال شرحه يتداول في الدرس، هذا بالإضافة للمستويات الأعلى في دراسات المنطق التي يتعمق فيها بعض طلاب العلم واشتهرت لاسيما في بعض مدارس المسلمين العجم مثل (تهذيب المنطق والكلام) للإمام التفتازاني و(الرسالة الشمسية في المنطق) لنجم الدين الكاتبي، ومؤلفات السيد الشريف الجرجاني الذي كان من أئمة الإسلام في المنطق واللغة والفلك وغيرها، وكلها كتب قرأها وشرحها ودرسها علماء الإسلام في الماضي والحاضر.
باختصار، لم يرفض المسلمون الفلسفة اليونانية هكذا بالمجمل، ولكنهم رفضوا آراء الفلاسفة في الإلهيات – وحري بهم أن يفعلوا – بينما برعوا في المجالات الأخرى وعلى رأسها المنطق، فالإمام الغزالي حجة الإسلام الذي رد على الفلاسفة في (تهافت الفلاسفة) هو نفسه الذي صنف في علم المنطق كتابيه (معيار العلم) و(محك النظر)، وكان من كبار المناطقة وأدخل المنطق في الصناعة الفقهية، فهذا الذي اعتبره أعداء التراث الرجل الذي عطل العقل المسلم وقضى عليه كان المنطق في الحقيقة جزءاً أساسياً من بناء نظريته العلمية والفقهية كما في كتابه المهم (المستصفى) الذي يعد من أعمدة علم أصول الفقه، وقد قدم له مقدمة منطقية قائلاً "وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ مِنْ جُمْلَةِ عِلْمِ الْأُصُولِ وَلَا مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ، بَلْ هِيَ مُقَدِّمَةُ الْعُلُومِ كُلِّهَا، وَمَنْ لَا يُحِيطُ بِهَا فَلَا ثِقَةَ لَهُ بِعُلُومِهِ أَصْلًا" وهو موقف شديد التمسك بالمنطق، حتى أن بعض علماء المسلمين قد اعتبروا أنه بالغ في منطقيته هنا. والبناء المعرفي الكامل للغزالي بما يشمله من فقه وعلم كلام وتصوف ودراسات في القرآن والأسماء الحسنى وغيرها يفصح ليس فقط عن منطقه وإنما أيضاً عن فلسفته العميقة، وليس غريباً أن موسوعة ستانفورد الفلسفية تُعرِف الإمام الغزالي بأنه من أبرز فلاسفة الإسلام السني وأبعدهم أثراً، وحتى محمد عابد الجابري - من أبرز الرشديين العرب – وضع الغزالي في طائفة "الفقهاء الفلاسفة"، وكان شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق قد ذكر أن الغزالي "كان أكثر شيء طعنًا في الفلسفة وصدًّا عنها مع أن عقله كان في أغلب الأمر عقلًا فلسفيًّا وكان أسلوبه في الجدل أسلوب الحكماء".
إن اتهام الغزالي بأنه عطل العقل المسلم لهو من أغرب التهم، وهو أقرب للهجوم المؤدلج الموتور منه للموقف النقدي الحقيقي. الغزالي من أبعد المناطقة أثراً في الإسلام، وقد اعتبر جورج طرابيشي الغزالي "أول من أدخل المنطق الأرسطي إلى علم الكلام السني". وأعود للتساؤل: ما المشكلة في أن ينتقد المسلمون الفلسفة اليونانية؟ خاصة حين يتناول الانتقاد حصراً مسائل مخالفة للشرع؟
فلنقرأ كلام ابن رشد نفسه لنعلم أن هذا التصادم طبيعي حين قال "فإنا قد شهدنا منهم أقواماً ظنوا أنهم تفلسفوا وأنهم قد أدركوا بحكمتهم العجيبة أشياء مخالفة للشرع من جميع الوجوه، أعني لا تقبل تأويلاً، وأن الواجب هو التصريح بهذه الأشياء للجمهور، فصاروا بتصريحهم للجمهور بتلك الاعتقادات الفاسدة سبباً لهلاك الجمهور وهلاكهم في الدنيا والآخرة"، وكانت د.زينب الخضري الحاملة للواء الرشدية قد ذكرت في كتابها (أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى) أن "من الطبيعي أن يكون هذا الفيلسوف العقلاني العظيم الذي كرس حياته في توضيح فكر المعلم الأول قد أتى بالكثير من النظريات التي تصطدم مع العقيدة المسيحية، بل ومع أي عقيدة منزلة، ولاهوتها، مما يدفع الكثيرون لمهاجمته"، وقال الجابري أن "أول ما عرفه المسلمون من علوم الأوائل هو العلوم الهرمسية التي تحمل في طياتها – فضلاً عن ارتباطها بالسحر – عقيدة دينية مخالفة لعقيدة الإسلام" ودخلت هذه الفلسفات المبكرة في البناء المعرفي المضاد لعموم الأمة، ولذلك حاربها أهل السنة والجماعة "لأنها كانت تشكل الخلفية النظرية لآراء الشيعة والفرق الباطنية"، وهو ما نجده واضحاً في كتاب (فضائح الباطنية) للغزالي. بإختصار، لقد كانت المواجهة حتمية وطبيعية.
ثانياً: فهم منهجية الغزالي ومعايير الحكم على العقل المسلم: الإعتراض الإسلامي على الفلسفة كما عبر عنه الغزالي هو اعتراض على الأخذ بكلامهم في الإلهيات، فليس للمسلم الذي لديه كلام الله ورسوله ﷺ أن يترك ذلك ليعرف ربه عبر قدماء كفرة اليونان! ومع ذلك فقد بذل الغزالي الوسع في التفصيل والتأصيل، ولم يتسرع لإصدار الأحكام الجاهزة كما يفعل خصومه اليوم، وهو ما يتجلى في أمرين، أولهما: أنه سبر أغوار الفلسفة على قدر استطاعته في ذلك الزمان وحرص على فهمها قبل أن يباشر الرد، ولذلك صنف كتابه الضخم (مقاصد الفلاسفة) الذي خصصه لعرض مذاهب القوم كما وصلت للمسلمين في حينه، بينما خصص انتقاده لهم في (تهافت الفلاسفة)، وكرس (فضائح الباطنية) لهدم الفكر الباطني الفلسفي، وكرس (معيار العلم) و(محك النظر) لعلم المنطق – والكثير من نقاد الغزالي لا يعرفون شيئاً عن مشروعه الفكري الضخم المتعدد الأوجه - وهذا كان من نهجه العلمي العالي وهمته الوافرة، وفي ذلك قوله "ثم إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً: أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه، ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم، من غوره وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقاً" ولذلك ظل يقرأ في كتب الفلسفة لمدة تقارب العامين قبل أن يشرع في الرد عليهم بلغتهم ومن داخل منطقهم، قال في (معيار العلم): "إذ لم يمكن مناظرتهم إلا بلغتهم وعلى حكم اصطلاحهم".
ثانياً أنه حتى حين اعترض على الفلاسفة في الإلهيات حصر اعتراضاته في عشرين مسألة محددة ولم يترك الأمر على عواهنه، وأوضح أنه يرى أن ثلاثاً من هذه المسائل فقط هي المخرجة من الملة، وهي: القول بقدم العالم (أي أن العالم ليس بمخلوق، بل هو موجود أزلي مثل الله)، والقول بأن علم الله لا يشمل جزئيات الأمور بل هو عالم بالكليات فقط، والقول بأن الحشر يوم القيامة هو حشر روحاني لا جسماني، وهي مسائل من الطبيعي أن يخالف المسلمون فيها رأي الفلاسفة، علماً بأن الغزالي أنصف في ذكر أن بعض فلاسفة اليونان خالفوا في بعض هذه المسائل، وأن الكندي فيلسوف العرب الأول قد تفرغ قبلها للرد على أرسطو في مسألة قدم العالم، فما وجه الاعتراض على انبراء الغزالي لدحض هذه المقولة إذن؟
وإذا كان الإسلام ضد العقل لأن الغزالي اعترض على مسائل قليلة في الفلسفة اليونانية، فماذا عن الإدانة الكنسية لعام 1277 التي شملت حظر أكثر من مائتي مسألة فلسفية وعقدية كرد فعلٍ على الفلسفة، خصوصاً – يا للعجب! - شروحات ابن رشد على الكتب الأرسطية! وإذا أضفنا لذلك ما تم من معاقبة الكنيسة لفلاسفة ومفكرين وعلماء فسنضطر – التزاماً بمعايير الناقدين - للقول بأن الغرب معاد للعقل أكثر بكثير من الشرق.
وغنيٌ عن القول أن الجهد الفكري لعلماء الإسلام – بما فيهم الغزالي – جائز نقده وتطويره وتقويمه أيضاً مثل الجهد الفكري للفلاسفة كذلك، ولعلماء الإسلام باع طويل في مراجعة ونقد أفكار بعضهم البعض وأفكار غيرهم، وقد أثمر هذا بعضاً من أفضل إنتاجات العقل المسلم، ومشروع الغزالي عليه انتقادات إسلامية عدة.
ثالثاً: لماذا من المحتوم أن تتصادم المنظومات الفلسفية مع الأديان فيما يتعلق بالغيبيات؟ لأنها تتغيا الوصول للحقائق الغيبية من مرجعية نفسها بغير هدى ولا كتاب منير، وهو أمر متعذر حيث أن الغيب يظل غيباً لا تنفك غوامضه بكثرة التفكر ولا بطول التخيل والتأمل، ومن هنا جاءت تسمية علماء الإسلام لهذا الباب بـ"السمعيات"، أي الحقائق التي لا يمكن التوصل إليها إلا عبر سماعها من الله ورسوله ﷺ.
الفلسفة حين تخوض في الإلهيات والغيب تطرح منظومة معرفية دينية، بينما الأديان لها منظومة لهذه المجالات، ولذلك التصادم حاصل لا محالة كما حصل بين التجربة اليهودية والنصرانية والإسلامية، فهذا ليس أمراً خاصاً بالحضارة الإسلامية بحال وقد رصد المؤرخون أمثال ويل دورانت في موسوعته (تاريخ الحضارة) أمثلة مطولة عن هذه الصراعات والتوترات بين الأديان السماوية والفلسفة، خاصة فيما يتعلق بالحديث عن الإلهيات والغيبيات، ومنها ما يتعلق بالجدل اليهودي حول إبن ميمون (ويسمى رامبام في العبرية)، والجدل المسيحي حول القديس أوغسطينوس وتوما الأكويني، والجدل الإسلامي حول ابن سيناء والفارابي، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى، وهذا كله من تدافع الأفكار الطبيعي وتحريك ساحة النظر، وقد أدى نقد الغزالي إلى خروج كتاب ابن رشد وإلى كتابات أخرى راجعت ونقدت الغزالي مثل العالمان المتكلمان العثمانيان علاء الدين الطوسي وخوجه زاده - بطلب من السلطان محمد الفاتح – وكذلك المفتي العثماني ابن كمال باشا. وفي الحقيقة، حتى في السياق المسيحي الذي كان لابن رشد فيه أثر بالغ، فإن بعض المختصين في الفلسفة يرون أن ابن رشد لم يثمر في الغرب هذه الثمرة البالغة إلا حين رد عليه الأكويني وحارب أفكاره، فأدى هذا التدافع إلى خروج الفوائد الرشدية بعد كمونها، ومن هنا أهمية إضافية لانتقاد الفلاسفة في تحريك الفكر. تاريخ الفلسفة هو تاريخ توترات ومحاولات نقض أو احتواء أو مواءمة بينها وبين المنظومات الاعتقادية الأخرى، بما فيها الأديان والعلوم الطبيعية الحديثة أيضاً.
المسألة الأساسية هنا هي أن الفلسفات الإلهية تعطي للناس ديناً بديلاً عن دينهم ومصادر مختلفة لعقائدهم وهي تفعل ذلك أيضاً بضعف وتهافت، فحقيق على أصحاب الأديان أن يوجهوها في هذا المضمار، ولا يمكن تصور غير ذلك أصلاً وأن تقول للمسلم أن يقبل بهذه المنظومة بأن تقول له بأن يعتنق ديناً آخر، والأنكى من ذلك أن تعتبر أن عدم قبوله لهذه الفلسفات وتسليمه لها هو دليل انغلاق عقله، بينما لو رضي بها وتابعها دون انتقاد فهو سليم العقل صحيحه!
رابعاً: التوتر بين الإسلام وبعض الفلسفة ليس دليلاً على أن الحضارة الإسلامية ضد العقل: يقول بعضهم بشيء من النزق والجهل أن المسلمين قد اضطهدوا كل صاحب فلسفة، وبالتالي فهم حضارة لا تعرف العقل وتحارب أهله، وغالباً لا دليل لهم إلا ما تعرض له ابن رشد – متجاهلين ملابسات قضيته ومتجاهلين أن ابن رشد قد قال مقولات مستنكرة في العقيدة – ولا أعرف كيف يحكمون على أكثر من 1400 سنة بمثال واحد أو حتى ببضعة أمثلة؟ لكن فلنفترض جدلاً أن استشهادهم صحيح وفي محله وأن محاكمة ابن رشد تمثل دليلاً كافياً على مخاصمة المسلمين للعقل والمنطق والتفلسف. فهل يقولون أيضاً بأن الحضارات اليونانية والرومانية والمسيحية قد خاصمت العقل وحاربت التفلسف لأنها مارست من الاضطهاد أضعاف ذلك؟
فمن الذي حاكم سقراط وأعدمه؟ ومن الذي أضطر أرسطو للهرب من أثينا؟ ومن الذي اضطهد أناكساغوراس ونفاه وحبسه وكاد أن يقتله بسبب آرائه العلمية حول الشمس والقمر وأنهما ليسا بإلهين؟ ومن الذي أعدم شيشرون؟ ومن الذي عذب وقتل بوئثيوس صاحب (عزاءات الفلسفة)؟
ومن الذي كره الفلسفة اليونانية وأخرج ممثليها من روما غير كاتو الأكبر؟ ومن الذي أنهى المدرسة الأفلاطونية في أثينا سوى الامبراطور جستنيان الأول؟ ومن الذي أصدر أمراً بطرد الفلاسفة من روما غير الإمبراطور دومطيانوس؟ وماذا عن الباباوات والقساوسة الذين وقفوا ضد التفلسف؟ ومن الذي أعدم سينيكا واضطهد غيره من الرواقيين والكلبيين والإيبيقوريين واضطهد فيثاغورس وقاد ثورتين ضد الفيثاغوريين؟ ولو كان المسلمون ضد العقل لأنهم أحرقوا بعض كتب ابن رشد، فماذا عمن أحرق الفلاسفة الفيثاغوريين أحياءً في كروتون عاصمة الفلسفة الفيثاغورية؟
والمحن الأخرى الكثيرة التي طالت فلاسفة من مختلف المشارب على يد السلطات السياسية والكنسية الغربية وعلى يد الدهماء أيضاً، فإن كان يصح الاستدلال بحوادث قليلة في التاريخ الإسلامي لإثبات أن المسلمين خاصموا العقل، فلماذا لا يصح نفس الاستدلال ضد الحضارات التي ينبهر بها عادةً أعداء التراث الإسلامي وقد وقع فيها أضعاف ما وقع لدينا؟
كما أن هؤلاء النقاد لا يفهمون تفاصيل وتشابك المشهد الفكري الإسلامي عبر القرون، فيصرون على تحليله بمنظار أبيض/أسود، خالقين ثنائية العقل/الشرع المفتعلة – ضمن عدة ثنائيات مشابهة - وناسجين عليها سرديتهم التاريخية الوهمية. مثلاً: إذا كان إحراق كتب ابن رشد في عهد الموحدين دليلاً على مخاصمة العقل، فماذا عن تقريب الموحدين للفلسفة والفلاسفة ولابن الطفيل وابن رشد، بل إن مشروع ابن رشد الفلسفي جاء أصلاً بطلب من السلطان الموحدي (وهو من ملامح نخبوية الكثير من التقليد الفلسفي الإسلامي)؟ وإذا كان حرق كتب ابن رشد في الدولة الموحدية هو هزيمة العقل أمام الشرع فالدولة الموحدية نفسها هي التي أحرقت كتب العلم الشرعي أيضاً، وإذا كان إحراق كتب ابن رشد في الأندلس علامة على انتصار الغزالية الدينية على الرشدية العقلية، فماذا عن حرق كتاب الغزالي في الأندلس كذلك وامتحان الناس به؟
يكثرون من الحديث عن اضطهاد الفلاسفة، وواقع الأمر أن الكثير من الفلاسفة كانوا مقربين من السلطان منذ بدايات مشروع الترجمة في الإسلام، أما الظلم الحقيقي فكان في المحن المتتالية التي لحقت علماء الدين، لا الفلاسفة.
لقد كان المشهد الفكري أعقد من التصورات السطحية الشائعة اليوم وتضمن هذا المشهد كل ألوان الطيف، كما هو الحال في كل حضارة كبيرة، لكن أنصاف المثقفين لا يفقهون.
خامساً: فهم منهج ابن رشد وكيف تعامل المسلمون والغربيون معه: من أهم ما فعه ابن رشد أنه سعى لتخليص فلسفة أرسطو مما شابها من الأفلاطونية المحدثة وإضافات ابن سينا وغيره والعودة لأرسطو الأصلي، فقد كان مشروع ابن رشد شديد النقد للفلسفة الأفلاطونية المحدثة ولابن سينا والفارابي وهو هنا يسلك مسلكاً مشابهاً للغزالي في نقد الفلاسفة، فلماذا نقد الغزالي يعد تعطيلاً للعقل ونقد ابن رشد تنشيطاً له؟ كلاهما اعترض على الجوانب الميتافيزيقية، فهناك في الحقيقة أوجه تشابه بين مشروع الرجلين رغم اختلافهما. وانظر قول ابن رشد في نقد جوانب من فلسفة ابن سينا والفارابي التي انتقدها الغزالي "وهذه كلها خرافات وأقاويل أضعف من أقاويل المتكلمين، وهي كلها أمور دخيلة في الفلسفة، ليست جارية على أصولهم، وكلها أقاويل ليست تبلغ مرتبة الإقناع الخطابي فضلاً عن الجدلي، ولذلك يحق ما يقول أبو حامد في غير موضع من كتبه: إن علومهم الإلهية ظنية". ونرى في هذا الموضع كما في غيره أن ابن رشد كان أكثر إنصافاً للغزالي من كثير من زاعمي الرشدية في زماننا.
وإذا قلنا أن ثمة رفض إسلامي لابن رشد، فما عسانا أن نقول عن تعرضه للرفض في العالم المسيحي حيث هاجمه توما الأكويني بالذات وتحول لعدو مشيطن في الفنون الأوروبية فصوره دانتي أليغري في الجحيم في (الكوميديا الإلهية)، وتم تصويره في اللوحات الفنية كعدوٌ منهزم، مثل لوحة غيوفاني دي باولو وغيرها. وقد ذكر المستعرب الاسباني خوان أنطونيو باتشيكو أحد مؤرخي ابن رشد البارزين في كتابه (ابن رشد) بترجمة أحمد عبد اللطيف:
جهز رسامو التريشينتو الإيطاليون (أوركانيا، ترايني، جادي، وآخرون) صوراً أيقونية لابن رشد، ظهر فيها الفيلسوف القرطبي بعمامة ولحية طويلة ومحنياً عند قدمي القديس توماس أكينو ... تتكامل قائمة الصور المشوهة مع المصادر الأدبية الأوروبية لتلك القرون نفسها والتي تنعت الفيلسوف بنعوت واضحة مثل "متعصب" "متحرر" "زنديق" "منشق"
انتقد المسلمون ابن رشد، لكنهم لم يلغوا تراثه بالكلية، بل استمر أثره الفقهي إلى اليوم خصوصاً عبر كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) الذي لا يزال كتاباً أساسياً مقرراً في الفتوى والدرس، كل ما في الأمر أنهم أخرجوا ما لم يناسبهم من فكره وأخذوا ما ناسبهم ولم يعمدوا إلى تدمير الرجل بالكلية بسبب الخلاف الذي نشأ. الحقيقة أن محو الجانب العلمي من ابن رشد هو جناية من أعداء التراث الذين يتعمدون تهميش الجانب الفقهي من ابن رشد وإعلاء الجانب الفلسفي فقط، ولو أنهم قابلوه وقابلهم لتفاجؤوا من فقهه ودينه، ولكرههم وكرهوه على الأرجح.
هؤلاء جعلوا من الغزالي وابن رشد قطبين متناقضين يمثل أحدهما الفقه والآخر العقل وجهلوا أن الفقه والعقل مقترنان، وجهلوا أيضاً بأن كتاب ابن رشد (الضروري في أصول الفقه) هو عبارة عن اختصار لكتاب (المستصفى) للغزالي! نعم، أبن رشد هو مختصر وشارح كتاب الغزالي ولكن القوم لا يقرؤون ولا يحيطون بما يناقشون، إذ لم يكن ابن رشد فقط شارحاً لأرسطو ولكن هو أيضاً شارح للغزالي. وهنا المشكلة المنهجية، فالاعتراض الحقيقي ليس على ما توصل إليه هؤلاء من آراء وانتقادات وإنما الكيفية التي توصلوا بها لهذه الآراء، فاجتمع غياب حرصهم على فهم واستقصاء المسائل مع حرصهم على التشفي من رموز الإسلام، فصارت تصوراتهم مجافية للواقع، ثم بنوا على هذه الخيالات استنتاجات قاطعة يغضبون ممن يخالفهم فيها، وإذا أضفنا صفتي الغرور والتعالي لدى بعضهم صارت النتائج كارثية. ورحم الله الغزالي إذ بدأ (التهافت) بوصف من رد عليهم بأنهم "طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء" وأرادوا الترفع "عن مسايرة الجماهير والدهماء"
وانظر لتقييم المسلمين لابن رشد ستجد أنه مع الانتقاد كان هناك إنصاف وتوازن والكثير من الإطراء، فمثلاً حين ترجم له الذهبي قال " العلامة، فيلسوف الوقت ... برع في الفقه، وأخذ الطب ... ثم أقبل على علوم الأوائل وبلاياهم، حتى صار يضرب به المثل في ذلك." ونقل عن الأبار قوله: " لم ينشأ بالأندلس مثله كمالاً وعلماً وفضلاً، وكان متواضعاً، منخفض الجناح، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سود في ما ألف وقيد نحواً من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء، فكانت له فيها الإمامة، وكان يفزع إلى فتياه في الطب، كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وقيل: كان يحفظ (ديوان أبي تمام) و(المتنبي) ... وولي قضاء قرطبة، فحمدت سيرته". وترجم له الطيب بامخرمة في (قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر) أنه "الإمام العلامة. تفقه وبرع، وسمع الحديث، وأتقن الطب، ثم أقبل على الكلام والعلوم الفلسفية حتى صار يضرب به المثل فيها. وكان ملازما للاشتغال، ذا ذكاء مفرط". فلاحظ أن علماء الدين كانوا أكثر تفصيلاً في تقييمهم لابن رشد – بينما الذي هجاه بشدة كان الفيلسوف ابن سبعين كما سنرى – وحتى في المعاصرين كتب الشيخ ظافر شرقة أنه "إذا ما نظرنا إلى تراث ابن رشد واستثنينا منه ضلالاته الفلسفية في الإلهيات ونحوها فسوف نجد فيما قدمه في الفقه وأصوله وفي اللغة فائدة أسهمت في خدمة علوم الشريعة، فضلاً عن كثير مما كتبه في الطب والفلك ونحوهما".
سادساً: لا يفهم أنصاف المثقفين أن الفلسفة لا تحرر طاقات العقل بالضرورة بل يمكن أن تكون أحياناً هي المكبلة له المقيدة لإبداعه: العلوم القديمة والحديثة ليست خيراً دائماً، فمثلاً تصرف الإنسان بهذه العلوم العقلية والتطبيقية هو ما يهم وليس عين العلم، وهذا جليٌ في زماننا فالذين تسببوا في أسوأ أدوات الدمار الشامل والقتل الجماعي في العصور الحديثة ليسوا رجال عصابات ولا بلطجية شوارع بل علماء العلوم الحديثة من فيزيائيين وكيميائيين وأطباء ومهندسين وغيرهم.
هكذا سنجد أن الفلسفة اليونانية كما كان لها طاقات كامنة في إطلاق الفكر والبحث، كان لها طاقات كامنة كذلك في وقف الفكر والبحث العلمي، وهذا واضح في السياق المسيحي مثلاً، حيث أن الكنيسة حين اضطهدت وحاربت بعض العلوم الطبيعية لم تكن تنطلق دائماً من الإنجيل، بل أحياناً من إنعجان عقيدتها الرسمية حينها بالفلسفة اليونانية، ولذلك كانت معركة الثورة العلمية معركةً ضد تيك الفلسفة – لكن المثقف السطحي لا يعلم – وكانت جهود رموز التحول الفكري الغربي أمثال فرانسيس بيكون وجاليليو وديكارت ونيوتن موجهة لتحطيم سلطان أرسطو والفلسفة اليونانية والتخفيف من غلوائها الذي حبس العقل الغربي المسيحي، وليس غريباً أن بعض فلاسفة أوروبا الأرسطيين قد وقفوا ضد التجارب العلمية وعارضوا العلماء أمثال جاليليو وغيره بينما عارض بعض العلماء المحدثين الأرسطية وشارحها ابن رشد، لذلك يقول جورج طرابيشي:
مهما يكن دور ابن رشد في تكوين أوروبا عظيماً، فإن أوروبا ما بنت نهضتها وحداثتها إلا بالقطيعة معه ومع "المعلم الأول" نفسه، أي أرسطو كما تأوله العصر الوسيط
لقد كان الإنفصال عن الفلسفة اليونانية من شروط القفزة العلمية. لا ننكر أنه كان للفلسفة اليونانية إسهامات عديدة لكن هذا لا يعمينا عن أوجه قصورها.
ومن هنا أيضاً كان إصرار الفلسفة اليونانية على تعظيم العلوم النظرية والحط من العلوم التجريبية عاملاً آخر في تكبيل العقل وتأخير الثورة العلمية، ولذلك كان الوصول للفلسفة الاسمية nominalism مهماً لتخطي القيود اليونانية، وهو ما كاد أن يبزغ في الفكر الإسلامي على يد ابن تيمية كما يرى د.حمو النقاري الذي قد يعد أهم المناطقة الحاليين في الثقافة العربية.
ولننظر بشكل أعمق في كلام النقاري، وهو شديد المراس للدراسات المنطقية والفلسفية، حيث قال أن "نظرية العلم الفلسفية الرائجة في وسط الفلاسفة المسلمين القدامى كانت، باعتدادها بالعلم اليقين وحده وبالآلية التدليلية القياسية دون غيرها، عائقاً ابستمولوجياً منع من تثمين التوجه إلى واقع العالم وظواهره للتعرف على قوانينها وضبطها"، وأن:
في الإعلاء من شأن "الفلسفة" في التراث الإسلامي العربي تجاهلاً لنصيب هذه "الفلسفة" من المسؤولية في الحيلولة دون تبلور توجهات فلسفية "اسمية" و"تجريبية" في الحقل الفلسفي الإسلامي – العربي القديم، ومن ثمة في الحيلولة دون استشراف مبادئ العلم الحديث وأصوله الفلسفية.
واستشهد النقاري بعبد الله العروي، علماً أنه شخصياً من أنصار القطيعة مع التراث، حيث قال العروي أن أحد أسباب عدم انفتاح المسلمين على العلم التجريبي قد يعود لكون فلاسفة الإسلام "من أنصار المنطق اليوناني، تشبثوا بنمط أفلاطوني وطبقوه أساساً على واجب الوجود، فابتعدوا بذلك عن فحص الطبيعة المحيطة بهم".
سابعاً: إن جل ما يدعو إليه الكارهون لإرثنا الحضاري هو التقليد لا الإبداع: هم يريدون تقليد وتعظيم وتقديس مدارس وافدة علينا سواءً قديمةً كانت أم حديثةً بدعوى التحرر من التقليد! يطيش عقل المرء وهو يقرأ إطراءهم البالغ على الإبداع والتجديد جنباً إلى جنب مع مطالبتهم البالغة بتقليد الآخرين.
هكذا نهج العديد منهم في الفكر والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم. لا ينقضي عجب المرء مثلاً من تذكر أن الثورة الدستورية بإيران مطلع القرن العشرين حين أرادت الإبداع القانوني اكتفت بالإتيان بالقانون البلجيكي ووضعته قانوناً لإيران، في تقليدٍ فجٍ لإرث غيرهم، وبعدها حين وصل أتاتورك لحكم تركيا كان إبداعه المزعوم هو الإتيان بالقانون السويسري والفرنسي وجعله قانوناً للأتراك المسلمين كي يخلصهم من التقليد! ولا أعلم كيف يعتبر هذا التقليد الفج إبداعاً وأصالة، في حين يعتبر التراث الفقهي الإسلامي شديد الثراء والتنوع والإبتكار والتطور مجرد تقليد وجمود؟
ولاحظ دفاع عالم بحجم ابن حزم عن المنطق ورفضه لانتقادات بعض المسلمين عليه، حيث قال أن من جَهِل المنطق "خفي عليه بناء كلام الله عز وجل مع كلام نبيه ﷺ، وجاز عليه من الشغب جوازاً لا يفرق بينه وبين الحق، ولم يعلم دينه إلا تقليداً، والتقليد مذموم... فلهذا وما نذكره بعد هذا إن شاء الله وجب البدار إلى تأليف هذا العلم، والتعب في شرحه وبسطه"، فعلل أهمية المنطق برفض التقليد لا العكس.
المثقف ذو الأزمة مع حضارته الإسلامية لا يريد في النهاية سوى تبني وتقليد أفكار الغير، ويستفظع مهاجمة أي مسلم لها مهما كان الهجوم وجيهاً ودقيقاً، وقد استبدلوا تقليداً بتقليد. وقد لاحظ الغزالي بأن هؤلاء ظنوا بأن "إظهار التكايس في النزوع عن تقليد الحق بالشروع في تقليد الباطل جمال، وغفلة منهم عن أن الانتقال إلى تقليد عن تقليد، خرقُ وخبال".
والحقيقة أن هؤلاء القوم مقلدة، واهتمامهم بابن رشد هو في حد ذاته من باب التقليد للإهتمام الغربي ابن رشد خاصة بعد نشر كتاب إرنيست رينان عام 1852 عنه، وكان فرح أنطون من أوائل من رفع اسم ابن رشد، وحين راجع أستاذ الفلسفة د.عبد المجيد الصغير عمل أنطون توصل إلى أنه هو أيضاً مقلد، فـ"الناظر أولاً في مصادر فرح أنطون حول ابن رشد يصطدم بقلة بضاعته المعرفية بالتراث المباشر لابن رشد، وبثقته العمياء بالتأويلات اللاتينية للفيلسوف المسلم، واعتباره المصادر الفرنسية المعاصرة له التي عكست ذلك التأويل، ابتداء من دائرة المعارف الفرنسية إلى كتابات أرنست رينان، الحجة والبرهان والمصدر الذي لا يطاله الشك في التعرف على جوهر الرشدية". وهذا مثال نمطي للتقليد لدى هؤلاء الذين تعرفوا على ابن رشد المصفى من حقيقته الإسلامية مقدماً لهم حسب النظر الغربي - وأحياناً حسب أشخاص معادين للإسلام مثل رينان - ثم كرروا ما تلقفوا وكأن التكرار إبداع، أو كما قال جورج طرابيشي في ملاحظة بديعة "ابن رشد الذي أخذت به أوروبا هو ابن رشد اللاتيني، وهذا لا تتطابق قسماته مع ابن رشد العربي – الإسلامي المغربي – الأندلسي".
في تاريخنا بينما كان علماء الإسلام شديدي النشاط كثيري الإبداع والتنويع والتأصيل، كان الكثير من رموز الفلسفة الإسلامية مقلدةً تضمنت أعمالهم القليل من الإضافات الأصلية، وابن رشد تحديداً كان من أكثرهم تقليداً حيث انصب جزء كبير من مشروعه الفلسفي في تصفية آراء أرسطو وشرحها، فكان شديد التمسك بها قليل الخروج عنها، وليس غريباً أن ابن تيمية حين وصفه قال "هو من أتبع الناس لأقوال آرسطو" وذكر "مبالغته في اتباع آراء الفلاسفة المشائين"، وفي الغرب اصطلح على تلقيبه بالمعلق أو الشارح The Commentator لكونه شارح أرسطو دون إضافات كثيرة، مخلصاً أرسطو من حمولات سابقة أدخلتها عليه الأفلاطونية المحدثة مع التفلسف الإسلامي.
وانظر ما قاله حمو النقاري مستشهداً بقول الكندي بـ"ضرورة اقتداء أقوال الحكماء واقتفائها" عامةً، وهو ما تحول عند الفارابي إلى ضرورة اقتداء "معاني أرسطو الحكمية" خاصة:
من أهم المباديء التي وجهت التفلسف الإسلامي العربي مبدأ "ضرورة الاقتداء والاقتفاء". وهذا مبدأ ظل فاعلاً في الفلسفة العربية إلى اليوم بدءاً من "المعتزلة" ومروراً بـ"الفلاسفة" العرب كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد الذي سيفوق غيره في قوة الاقتداء والاقتفاء، الاقتداء بأرسطو واقتفاء أثره
بل حتى الفيلسوف ابن سبعين قد قرع ابن رشد على تقليده، وأنه "مفتون بأرسطو ومُعَظِّم له، ويكاد أن يُقلِّده في الحس والمعقولات الأولى، ولو سمعَ الحكيم يقول: إنَّ القائم قاعد في زمان واحد، لقال هو به واعتقده، وأكثر تآليفه من كلام أرسطو؛ إما يلخصها، وإما يمشي معها" واتهمه بأنه "مموِّه مسفسط، كثير الطنطنة، قليل الفائدة، وما له من التآليف لا يصلح لشيء ... وأكثر كتبه مؤلَّفة ومستنبَطة من كتب أفلاطون، وما فيها من عنده فشيء لا يصلح، وكلامه لا يُعوَّل عليه". وفي العصر الحديث كتب المثقف والمترجم المصري محمد لطفي جمعة الذي كان معجباً بابن رشد فخوراً به وليس معادياً له "أما تمجيد ابن رشد لأرسطو فلا حد له فيكاد يؤلهه، وقد وضع له أوصافًا تجعله فوق درجات الكمال الإنساني عقلًا وفضلًا، ولو كان ابن رشد يقول بتعدد الآلهة لجعل أرسطو رب الأرباب"، فابن رشد كما يقول النقاري قد عد أرسطو الرجل الذي "اكتمل الحق عنده وتم".
وهكذا أدرك المسلمون أن الكثير من الفلسفة التي دخلت عليهم غلب عليها التقليد والنسخ واللصق وقل فيها الإبداع والإضافة، لذا قال الشهرستاني في (الملل والنحل) عن طائفة من فلاسفة الإسلام أنهم "قد سلكوا كلهم طريقة أرسطوطاليس في جميع ما ذهب إليه وانفرد به، سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين" وكذلك ابن خلدون حين ذكر أرسطو قال " ثمّ كان من بعده في الإسلام من أخذ بتلك المذاهب واتّبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل إلا في القليل".
وأعود للنقاري مقتبساً من كلامه بشيء من الاختصار:
لم يكن معهوداً في الكتابة الفلسفية العربية المعاصرة التقليل من القدر المنهجي لقدامى الفلاسفة المناطقة من المسلمين، ولا إلحاح على مسؤوليتهم الفعلية في التبعيد بين الفكر والنظر "العلمي" في الطبيعة والواقع، كما لم يكن أمراً مقبولاً ومستساغاً الإعلاء من شأن الفقهاء والنحاة والبلاغيين والأصوليين المنطقي. لم يكن وارداً عند جل الفلاسفة العرب المعاصرين جواز كون كفة أسلافهم من قدامى فلاسفة الإسلام هي الكفة المرجوحة في ميزان الفكر الإسلامي – العربي من جهة استشراف الانفتاح "العلمي" على الواقع بظواهره ومعطياته، بنصوصه وآياته
ثم استشهد بكلام العروي أن المسلمين الذين عارضوا المنطق اليوناني هم من "قاموا فعلاً باستقراء اللغة والشعر والنحو والفقه، متجهين بذلك اتجاهاً وضعياً وصفياً بعيداً عن كل حقيقة باطنية غير آيلة إلى رسالة منزلة، وكانوا بذلك أكثر وفاءً لروح المنهج الأرسطي الصرف".
فمن الذي خدم العقل حقاً في التراث الإسلامي، الفلاسفة أم علماء الإسلام؟
ثامناً: ابن رشد ومن يزعم الرشدية اليوم هم من النخبويين الذين لا يسهمون كثيراً في إفادة الشعوب: طبيعة مشروع ابن رشد نخبوية، وكذلك – بشكل آخر – من يزعم رفع لوائه اليوم.
أما نخبوية ابن رشد فهي في كونه يرى أن ثمة علوماً برهانية من الحكمة والفلسفة لا يجب إطلاع العامة عليها حتى لو تعلقت بأساسات الدين، وهو في هذا يشابه غيره من فلاسفة نسجوا ما يشبه الثنائية بين معارف شرعية متاحة للجميع ومعارف أخرى يجب أن تنحصر في أهل الحكمة وأن تذاع بينهم فقط أو في كتب يعسر على الناس الوصول إليها في أمور من أساسيات الدين وليست من أسراره العميقة، وهي ليست الثنائية الوحيدة التي سقطوا فيها. ليس مبحثي هنا توضيح أوجه الصواب والخطأ في رأيهم وتفصيل القول فيه، وإنما إيضاح البذور النخبوية في طرح فلاسفة الإسلام التي لاحظها ابن تيمية أيضاً حين قال أن خطأ ابن رشد متأكد "وإن زعم أنه أوجبه البرهان، وأنه من علم الخاصة دون الجمهور".
وقد كرر ابن رشد هذا الموقف في غير موضع من كتاباته، ومنها قوله أن "الذي يجب على أئمة المسلمين أن ينهوا عن كتبه التي تتضمن العلم، إلا من كان من أهل العلم، كما يجب عليهم أن ينهوا عن كتب البرهان من ليس أهلاً له"، ولو قال هذا الكلام الإمام الغزالي أو أحد علماء المسلمين لاتهمه الموتورون بأنه ضد العقل والفكر والثقافة! وانظر الكلام الآتي لابن رشد – ولاحظ أيضاً رأيه في الغزالي –حين قال:
وإنما كان جحد الوجود في هذه كفراً لأنه في أصل من أصول الشريعة، وهو مما يقع التصديق به بالطرق الثلاث المشتركة للأحمر والأسود، وأما من كان من غير أهل العلم فالواجب عليه حملها على ظاهرها وتأويلها في حقه كفر، لأنه يؤدي إلى الكفر. ولذلك ما نرى أن من كان من الناس فرضه الايمان بالظاهر فالتأويل في حقه كفر، لأنه يؤدي إلى الكفر. فمن أفشاه له من أهل التأويل فقد دعاه إلى الكفر، والداعي إلى الكفر كافر. ولهذا يجب أن لا تثبت التأويلات إلا في كتب البراهين لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل إليها إلا من هو من أهل البرهان. وأما إذا أثبتت في غير كتب البرهان واستعمل فيها الطرق الشعرية والخطابية أو الجدلية، كما يصنعه أبو حامد، فخطأ على الشرع وعلى الحكمة، وإن كان الرجل إنما قصد خيراً وذلك أنه رام أن يكثر أهل العلم بذلك، ولكن كثر بذلك أهل الفساد بدون كثرة أهل العلم. وتطرق بذلك قوم إلى ثلب الحكمة، وقوم إلى ثلب الشريعة، وقوم إلى الجمع بينهما. ويشبه أن يكون هذا أحد، مقاصده بكتبه...
ومثلها قوله "فالتأويلات ليس ينبغي أن يصرح بها للجمهور ولا أن تثبت في الكتب الخطابية أو الجدلية - أعني الكتب التي الأقاويل الموضوعة فيها من هذين الصنفين، كما صنع ذلك أبو حامد... وأما المصرح بهذه التأويلات لغير أهلها فكافر لمكان دعائه الناس إلى الكفر"، والآن لابد لزاعمي الرشدية أن يضعوا ابن رشد في خانة "التكفيريين"! وهو الذي قال في سياق انتقاده لفرقة من الأشعرية أنهم "هم الكافرون والضالون بالحقيقة".
أما وجه نخبوية الرشديين الحداثيين أن أغلبهم لا يحمل هموم أمته فانشغلوا بقضايا ليست قضايا الناس، وتفرغوا لإثراء بعضهم البعض أكثر من تفرغهم لإثراء المجتمع، وبعضهم ضرب نماذج تعيسة في قضايا الأمة مثل مراد وهبة وغيره. تظهر نخبويتهم في طبيعة انتقاداتهم، فمن عجيب الاعتراضات التي يطلقها بعضهم أن التفلسف الإسلامي لا يعتد به، لأنه كان مرتبطاً بالنصوص والأولويات الدينية، وهذا اعتراض عجيب غريب فالفلسفة في سياقها اليهودي كانت مرتبطة بحاجات اليهود ونصوصهم وكذا في السياق المسيحي، وحتى الفلسفة الغربية الحديثة مشغولة بنصوص الفلسفة اليونانية والألمانية والمدارس الحديثة وغيرها، بل لا يتصور أن ينتعش التفلسف خارج قضايا الناس واحتياجاتهم ودون الانطلاق من مقالاتهم ومرجعياتهم.
لكن المشكلة الأعمق في هذا الاعتراض أنه يقول ضمناً بأننا لا نعد الفكر الإسلامي شيئاً حتى يتخلى عن إسلامه! المعيار الذي يجعلنا نقتنع بكم ونمدحكم هو أن تنسلخوا عن أنفسكم، وانظر إن شئت إلى بعض من زعموا حمل إسم ابن رشد كيف أنشأوا مؤخراً مسجداً مزعوماً باسمه فيه رقص وغناء مع صلاة باطلة ودعم للشذوذ الجنسي باسم التنوير الرشدي، ولو رآهم ابن رشد – وقد كان فقيهاً قاضياً – لربما أقام عليهم الحد! ولا أعرف ماذا سيقول هؤلاء لو اطلعوا على فقه ابن رشد ومنها قوله "والمرتد إذا ظفر به قبل أن يحارب فاتفقوا على أنه يقتل الرجل" وغير ذلك مما لن يسرهم في كتاباته.
ووصل بعضهم للقول بأنه لا توجد أي فلسفة إسلامية أصلاً، رغم أن أهل الفن من مسلمين ومن غيرهم قد كتبوا مراراً عن الفلسفة الإسلامية، ولها أقسام جامعية ودراسات أكاديمية، كما أكثر هؤلاء من القول بأنه لا ينبغي أن تكون ثمة علاقة صراع بين الفلسفة/الفكر/الثقافة/الحداثة والإسلام، واستنكروا كل نقد وتقويم إسلامي لهذه المجالات، لكن الأعجب أنهم في نفس الوقت أكثروا من مصارعة الإسلام تحت نفس هذه العناوين التي زعموا أنه من الخطأ إدخالها في صراع مع الدين. الحقيقة أن مشكلتهم هي في الانتقاد الإسلامي فيعتبرونه صراعاً ظلامياً مذموماً لكن ليس لديهم مشكلة في انتقادهم للإسلام من هذه الأرضيات بل يعتبرونه تنويراً مطلوباً.
ختاماً أقول لقد قرأت في الفلسفة من مختلف العصور والثقافات فيها فوجدت خيراً وشراً: فيها الجميل والقبيح، وليست بالشيء الذي ينبغي أن ينبهر عنده العقل انبهاراً يعطله. لم يرفض علماء المسلمين الفلسفة بل اعترضوا على الفلسفة اليونانية، وكان اعتراضهم موجهاً أساساً للجوانب العقدية منها، والتي أعتبرها فلاسفة غربيون أيضاً من أبرز ما يكبل العقل، بل إن ديفيد هيوم أحد أهم فلاسفة الغرب قاطبةً قد دعا إلى حرق كل كتاب ميتافيزيقيا لا يتضمن المنطق التجريبي والإمبريقي لأنها لا تحتوي حسب قوله إلا على السفسطة والوهم. فإذا كان إحراق كتب ابن رشد دليلاً على أن المسلمين ليس لديهم إرث عقلي، فماذا عن دعوة هيوم لإحراق أضعاف ذلك؟
إن لم تقرأ في الفلسفة فلا عيب في ذلك مطلقاً، وإذا أردت أن تقرأها فلا تقاربها وأنت مهزوم داخلياً، ولا تقرأها وأنت غير متأسس معرفياً! وبإمكانك بعدها أن تجد أطرافاً من الحكمة عند أمثال سقراط وإبيكتيتوس وديكارت وكانط وماركوزه كما عند مفكري الإسلام، لكن لا تنس أبداً أنه لم يحز أحدٌ أبداً من الحكمة مثلما حازه أبو القاسم ﷺ، فلا تنبهر بأحد أكثر من انبهارك بأعلم خلق الله بالله وأحبهم إليه وأكثرهم اتصالاً بالحقيقة، وتيقن أنك إن لم تعظمه في قلبك كما ينبغي عظمت - بالضرورة - غيره ممن لا يستحق. وما أشبه سخافة منبهري اليوم بمنبهري البارحة، حيث لاحظ الغزالي في (التهافت) أن مصدر كفر من تفلسف هو "سماعهم أسماءً هائلةً، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس"، فلا تبهرنك الأسماء ولا تبخسها حقها أيضاً وكن بين ذلك عواناً.
2 —
After Shave Balm
It all begins with an idea. Maybe you want to launch a business. Maybe you want to turn a hobby into something more. Or maybe you have a creative project to share with the world. Whatever it is, the way you tell your story online can make all the difference.